www.alkader.net الموقع الرئيسي
اهلا وسهلا بك في المنتدى من فضل قم بالتسجيل

الدرس الأول في الفلسفة

اذهب الى الأسفل

الدرس الأول في الفلسفة

مُساهمة من طرف نبيل عودة في الثلاثاء أبريل 03, 2012 2:20 am

الدرس الأول في الفلسفة

نبيل عودة


الدكتور منصور ، أو الفيلسوف منصور ، كما تعرفه الأوساط الأكاديمية ، محاضر جامعي رئيسي في موضوع الفلسفة ، وكعادته يستقبل دائما طلاب السنة الأولى بكلمة توضيحية تجعلهم يحتارون اذا كانوا قد اختاروا الموضوع المناسب لهم ، أو انهم تورطوا بموضوع لا يستطيعون الاستمرار فيه. وكان يعرف انه بعد السنة الأولى والثانية لا يستمر في دراسة مادة الفلسفة الا أقل من ربع الطلاب.
دخل قاعة المحاضرات ، رتب أوراقه على المنضدة أمامه ، وجال بنظره يتفحص وجوه طلاب السنة الأولى .. فارضا صمتا متوترا . وبدأ حديثه مباشرة دون كلمات تعريف به كما تجري العادة لدى محاضرين آخرين ، وكأنه يواصل حديثا انقطع :
- عندما اخترت دراسة الفلسفة ، توهمت أن أحظى بفهم واع لمعنى الأشياء . كان من نصيبنا استاذ شاب حصل على البروفسورة بجيل السابعة والعشرين ، شعره لا يعرف التمشيط ، ملابسه غير متناسقة الألون ولا تعطيه مظهر بروفسور كبير في مؤسسة أكاديمية .. وقف امامنا لفترة شعرناها دهرا ، حتى بدأنا نتهامس ونثرثر ونتسائل ان كان قد أصابه شيء من لطف الله .وفجأة انطلق صوته فارضا الصمت على الطلاب في القاعة. قال :" اذا أردتم ان تدرسوا الفلسفة ، ضعوا جانبا كل ما تحملوه بعقولكم من لحظة دخولكم الى هذه القاعة . وابدأوا من الآن في تكوين ادراككم الجديد ،ومعارفكم الجديدة ، ووعيكم الجديد والأهم ، ابدأوا التفكير بطريقة مختلفة .. ابنوا ذاكرة جديدة .. ربما كلماتي عصية عن فهمكم الآن ، ولكنها ستكون ممتعة اذا نجحتم في هذه المهمة الأخطر في السيطرة على تنمية تفكيركم الفلسفي وعقلكم الفلسفي.
وقال أيضا : " السؤال في الفلسفة لا يقاس بالحجم ، كبير او صغير ، انما يقاس بالمضمون ..وفي الفلسفة لا يوجد سؤال مستقل ونهائي ، في الفلسفة كل سؤال يثير مجموعة أسئلة أخرى ، والأسئلة الأخرى تثير اسئلة أخرى ، والأسئلة تمتد بلا توقف الى أدنى والى أدنى أكثر والى أعلى والى أعلى بلا نهاية ..بلا حدود ، بلا حواجز ، بلا عجز عن الولوج الى ما يعتبر مناطق محظورة . لا مناطق محظورة في الفلسفة ، كل شيء يخضع للعقل .. للإدراك .. للتفكير .. للتساؤل اللانهائي.
اذا انتهت الإسئلة تنتهي الفلسفة. واذا اقتنع الشخص أنه وصل لحقيقة ما ، أنصحه ان يصبح رجل دين... هناك الكثير من الحقائق التي تريح عقله وتوقف ادراكه . وثم سألنا : " ماذا يعني كل هذا ؟ وكيف تدركون الأشياء بمنظار فلسفي ، وليس بمنظار التلقين الذي كنتم ضحاياه ، والآن علينا اولا ان نخلصكم من آثاره المدمرة ".
توقف الدكتور منصور ، أجال نظره بالطلاب وسأل :
- هل يريد أحدكم ان يقول شيئا؟
ساد صمت ثقيل .. وتجرأت بعد برهة غير قصيرة ، طالبة ورفعت اصبعها بتردد :
- تفضلي
- ما الفرق بين الادراك والفلسفة ؟
- سؤال جيد لنبدأ به درسنا الأول ، باختصار ، الادراك هو تكوين صورة متكاملة لكل مواصفات الشيء ، مثلا طاولة ، لها مواصفاتها .. أي اختلاف في الشكل لا يلغي المواصفات..هذا يعتبر ادراك لشيء ، أي ان الادراك يتسم بالثبات والاستقرار ، وهو غير ممكن بدون وعي الانسان ..اما الفلسفة فهي الوعي .. وتمثل الأساس النظري لرؤية ومكانة الانسان في العالم . والفلسفة هي الاشارة الأولى لانفصال عالم العمل الذهني عن العمل الجسدي. بمعنى آخر ، بالتفكير الفلسفي يمكننا من ادراك حقائق عن الكون والحياة عبر ادراك منطق الأشياء. أي لا يمكن ان ندرك شيئا يفتقد للمنطق . لا يمكن ان نصدق ان الانسان قادر على الطيران بدون آلة . لا يمكن ان نصدق ان البقرة تلد حمارا. لا يمكن ان نصدق ان هناك انسان يعيش على ثاني أكسيد الكربون. وبالطبع اريدكم ان تجتهدوا بطرح ملايين الأسئلة التي لا منطق فيها .. ولا تخافوا من دخول المناطق المقدسة .. في الفلسفة لا شيء مقدس .. ومرة أخرى من لا يستطيع ان يخرج من سجن المقدس الى فضاء التفكير والأسئلة والبحث عن المنطق ، ليخرج الآن من دروسي.
هكذا افتتح الدكتور منصور السنة الدراسية ، مع طلاب سنة أولى فلسفة. كان يعرف ان الكثيرين سيصابون بالاحباط ، والتردد سيجعلهم يعيدون التفكير بخيارهم . او يتجاوزون حواجز فكرية عميقة في تربيتهم ..وقال بعد برهة :
- لكل انسان منا مبادئ.. رؤية للحياة . قد لا تعجب البعض.. الفيلسوف لا يقول أبدا لمن يرفض رأيه ومبادئه : "هذا ما لدي ، اقتنع بما تشاء.. " انما يقول :" اذا لم تعجبك مبادئي ، التي طرحتها ، عندي مبادئ أخرى، في النهاية سأصل الى تسويق رؤيتي ". لذلك أقول لكم ان الفلسفة لا تنهزم .
بدأ يلحظ ان البعض يتحرك بعدم راحة. وهذا ليس شيئا غريبا او جديدا.. هذا يتكرر كل سنة.
- ومع ذلك طلابي الأعزاء، الفلسفة هي أقرب شيء للإنسان . وكلما كان أكثر وعيا ، ومستقلا بفكرة كلما كانت فلسفته أرقى وأقوى وتتسع لادراك العالم وتشكيل وعيه عن محيطة عن مجتمعه عن عالمه ... في الفلسفة اليونانية القديمة طرخ أحد الفلاسفة سؤالا على زميل له : " ما الذي يجعل كرتنا الأرضية ثابتة في الفضاء؟" أجابه : " يحملها أحد الآلهة " سأله : " ومن يحمل الإله ؟": أجابه : " اله آخر" . سأله :" والآخر من يحمله ؟ " . أجابه : " ايضا اله آخر الى ما لا نهاية ، اله وراء اله وراء اله ". اذن جوهر عالمنا انه لا شيء من لا شيء . كل شيء يعتمد على شيء آخر . سلسلة بلا نهاية .
اسمعوا هذه القصة : عاد جميل الى بيته ووجد زوجته وأفضل صديق له عاريان في السرير . قبل ان يتمالك نفسه من الصدمة قفز صديقه من السرير وقال له : قبل ان تفتح فمك وتقول شيئا ، من تصدق ، هل تصدق أفضل أصدقاءك ام تصدق عينيك ؟ "
من سيصدق حسب رأيكم ؟
أحسن صديق لديه ، ام يصدق عينيه ؟!
هذا سؤال فلسفي للتفكير.. وليس مجرد نكتة. والسؤال الفلسفي هنا أي معطيات هي المعطيات التي يجب ان يثق بها ، معطيات الرؤية المدركة ؟ ام معطيات الكذبة التي ستصدر عن صديقه ؟
الجواب هنا سهل .. انقلوه لمواضيع مركبة أكثر .. وفكروا.. واليكم قصة أخرى : رجل عجوز في التسعين ، متهالك في سيره وتنفسه ، دخل عيادة طبيب نسائي : " زوجتي ايها الطبيب ابنة العشرين سنة حامل ". نظر الطبيب اليه وقال له : انت الزوج ؟ . أجاب :" أجل". قال له : " ساروي لك حكاية ، خرج صياد الى رحلة صيد وبدل ان يأخذ بندقيته معه ، أخذ بالخطأ شمسيته . اثناء الصيد هاجمه دب ضخم ، فصوب شمسيته وأطلق عليه النار وارداه قتيلا". قال العجوز بعد تفكير: " مستحيل ان يكون هو الذي أطلق النار وقتل الدب ، لا بد من صياد آخر كان متواجدا أطلق النار من بندقيته وقتل الدب ". قال الطبيب: " بالضبط هذا ما احاول ان أشرحه لك .. أين زوجتك الآن ؟"
اذن ما هي الحقيقة .. هل الزوجة حامل من اطلاق النار من الشمسية ؟ أم من شخص يحمل بندقية؟
هل فهمتم الأن أهمية الفلسفة في الوصول الى الحقيقة؟

nabiloudeh@gmail.com
avatar
نبيل عودة
عضو جديد
عضو جديد

المساهمات : 57
تاريخ التسجيل : 25/03/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى